محمد جمال الدين القاسمي
406
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ثم قال ابن كثير : والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان في هذا المقام مناظرا لقومه ، مبيّنا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام ، فبين ، في المقام الأول مع أبيه ، خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية ، التي هي على صورة الملائكة السماوية ليشفعوا له إلى الخالق العظيم الذي هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه ، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته ، ليشفعوا لهم عنده في الرزق ، وغير ذلك مما يحتاجون إليه ، وبيّن في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل ، وهي الكواكب السيارة السبعة . وأشدّ هن إضاءة وأشرفهن عندهم ، الشمس ثم القمر ثم الزهرة . فبين أولا صلوات اللّه وسلامه عليه أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية ، فإنها مسخرة مقدرة بسير معين ، لا تزيغ عنه ، ولا تملك لنفسها تصرفا ، بل هي جرم من الأجرام ، خلقها اللّه منيرة ، لما له في ذلك من الحكم العظيمة ، وهي تطلع من المشرق ، ثم تسير فيما بينه وبين المغرب ، حتى تغيب عن الأبصار فيه ، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال . وهذه لا تصلح للإلهية . ثم بين في القمر ما بين في النجم ، ثم الشمس كذلك . فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة ، التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار ، وتحقق ذلك بالدليل القاطع ، تبرأ من عبادتهن وموالاتهن ، وأخبر بأنه يعبد خالقهن ومسخرهن . ثم قال ابن كثير : وكيف يجوز أن يكون ناظرا في هذا المقام ، وهو الذي قال اللّه في حقه : وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ [ الأنبياء : 51 - 52 ] . وقال تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شاكِراً لِأَنْعُمِهِ ، اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ النحل : 120 - 121 ] . و قد ثبت في الصحيحين « 1 » عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : كل مولود يولد على الفطرة . و في صحيح مسلم « 2 » عن عياض بن حمار أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : قال اللّه
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : الجنائز ، 80 - باب إذا أسلم الصبي فمات ، هل يصلّى عليه ؟ حديث 716 ونصه : أن أبا هريرة كان يحدّث قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « ما من مولود إلا يولد على الفطرة . فأبواه يهودّانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه . كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء . هل تحسّون فيها من جدعاء ؟ » . ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها . . . الآية . ( 2 ) أخرجه مسلم في : الجنة وصفة نعيمها وأهلها ، حديث رقم 63 .